محمد متولي الشعراوي
1283
تفسير الشعراوي
بحكم ما يختلف عن حكم آخر في قضية مشابهة . إنهم القضاة أنفسهم والقضايا متشابهة متماثلة ، لكن حكم الهوى يختلف من قضية إلى أخرى ، بل وقد يتناقض مع الحكم الأول ، فقال الناس عن هؤلاء الكهنة : لقد خرجوا عن منطق الدين واتبعوا أهواءهم ، ليثبتوا لهم سلطة زمنية ، فنحن لم نعد نأمنهم على ذلك . وخرج التقنين والحكم من يد الكهنة ورجال الدين إلى غيرهم من رجال التقنين . لقد كان أمر القضاء بين الكهنة ورجال الدين ؛ لأن الناس افترضت فيهم أنهم يأخذون الأحكام من منهج اللّه ، فلما تبين للناس أن الكهنة ورجال الدين لا يأخذون الحكم من منهج اللّه ، ولكن من الهوى البشرى ، عند ذلك أخذ الناس زمام التقنين لأنفسهم بما يضمن لهم عدالة ما حتى ولو كانت قاصرة . وبمناسبة كلمة الهوى نجد أن هناك ثلاثة ألفاظ : أولا : الهواء وهو ما بين السماء والأرض ، ويراد به الريح ويحرك الأشياء ويميلها وجمعه : الأهوية وهذا أمر حسىّ . ثانيا : الهوى : وهو ميل النفس ، وجمعه : الأهواء ، وهو مأخوذ من هوى يهوى بمعنى مال . ثالثا : الهوىّ : بفتح الهاء وضمها وتشديد الياء وهو السقوط مأخوذ من هوى يهوى : بمعنى سقط . وهذا يدل على أن الذي يتبع هواه لا بد أن يسقط ، والاشتقاقات اللغوية تعطى هذه المعاني . إنها متلاقية . إذن الراسخون في العلم يقفون ثابتين عند منهج اللّه . وأما الذين يتبعون أهواءهم فهم يميلون على حسب ميل الريح . فإن الريح مالت ، مالوا حيث تميل . ويقول الراسخون في العلم في نهاية علمهم : آمنا « وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا » . وهنا تلتقى المسألة ، فنحن نعرف أن المحكم نزل للعمل به ، والمتشابه نزل للإيمان به لحكمة يريدها اللّه سبحانه وتعالى ، وهي أن نأخذ الأمر من الآمر لا لحكمة الأمر . وعندما نأخذ الأوامر من الحق فلا نسأل عن علتها ؛ لأننا نأخذها من خالق محب حكيم عادل . والإنسان إن لم ينفذ الأمر القادم من اللّه إلا إذا علم علته وحكمته فإننا نقول لهذا الإنسان : أنت لا تؤمن باللّه ولكنك تؤمن بالعلة